هل تحرير العبيد كان نتيجة لوجود رجال بيض مثاليين رأوا ذلك أم أن هنك قراءة تاريخية مختلفة؟

بالقراءة عن موضوع تحرير العبيد دائماً ما نقرأ تعليقات من قبيل (إبراهام لنكولن بشخطة قلم حرر العبيد)، وتصوير الموقف كعمل بطولي شجاع جبار خالص لأسباب إنسانية. وكنقلة لا منطقية حصلت بين عشية وضحاها لم يكن لها أسباب سابقة مهدت لها ولا تداعيات سببتها لأنها جاءت بلا تخطيط اجتماعي يضمن لهذه الفئة المحررة حياة كريمة وقوانين لحماية حقوقها. بل ويستخدم البعض هذه القراءة السطحية لعيب التدرج الإسلامي في تحرير العبيد في القرون الوسطى، والذي للأسف لم تتبعه الدول الإسلامية التي قامت بعد الخلفاء الأربعة فتجددت سياسات الأسر والإستعباد باسم الفتوحات والتي امتدت لمناطق فيها ميزات مادية وبشرية (أكثر من كونه دفاعاً عن النفس مقابل قوى عظمى أو نشر لتعاليم الدين في مناطق لا ميزة فيها كجنوب أفريقيا). بالرغم من وجود أدلة تبادل للأسرى بفدية أو بخدمات كاشتراط تعليم الأسير للصبيان القراءة والكتابة في عهد النبي محمد (ص) لقاء حريته، وإيجاب تحرير رقبة ككفارة لبعض التجاوزات الشرعية، وتشريع قانون الإكتتاب ليستطيع العبد تحرير نفسه لقاء مبلغ مالي والتأكيد على الملاك ألا يرهقوا العبد بمبلغ عسير ليتيسر له تحصيله بالعمل، والحكم بتحرير العبد لو آذاه مالكه بأذى جسدي وغيره). فصار الأسر والجواري هدفاً وبرر الكثير منها بروايات موضوعة أمام النص القرآني الصريح للأسف. لكن أبداً لم نقرأ موضوع تحرير العبيد في أمريكا وأوربا قراءة تاريخية عميقة ما هي الأسباب بدايةً؟ ماهي الحوافز الإجتماعية والإقتصادية التي رفعت درجة الوعي وأدت لهذه المرحلة؟
ازدهرت تجارة العبيد في امريكا في فترة معينة حيث كان يتم استيراد العبيد من افريقيا وشراؤهم من عصابات تجار بالبشر مقابل أموال، بضائع أو أسلحة. فيتم رصهم في قبو سفن كبيرة ليتم أخذهم للولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت في بداياتها مستعمرات بريطانية. كان العبيد يشحنون بأعداد كبيرة في قبو السفن لدرجة أن المساحة لكل شخص من هؤلاء المستعبدين لا تتجاوز ٤أقدام مربعة في رحلة تستمر لأشهر في البحار يموت خلالها الكثير منهم نتيجة لذلك. توضع علامة على العبد لمنعه من الهروب كطباعة الحروف بالحرق على جلودهم أو قطع أذانهم. كان الإستخدام الرئيسي للعبيد هو استخدامهم في زراعة السكر وتكريره والقطن والتبغ.‏ لم يعاملوا كبشر واستغلوا على جميع المستويات.

‏ فيما يخص امريكا في ذلك الوقت من القرن الثامن عشر كان بها ولايات كونفدرالية جنوبية متمردة ومنفصلة وكانت هنالك جهود حثيثة لتوحيدها وضمها مرة أخرى. ‏حدثت الحرب الأهلية بين إبراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية) واتباعه الشماليون واشتبكوا مع الجنوبيون لضمهم في حرب أهلية منذ ١٨٦١ حتى ١٨٦٥.




 الجنوبيون كانوا يستخدمون العبيد لنقل البضائع، العمل في المزارع، واستخدامهم صناعياً كعمال وغيرها بالإضافة لتعزيز الجنود في الحرب وكان وضعهم ممتاز على جميع الأصعدة وهزيمتهم صعبة.


يذكر أن هناك من الشماليين الأمريكيين مناهضين للعبودية من قبل قيام الحرب لأسباب أخلاقية لكنهم لا يشكلون الغالبية، كان آخرون يعتبرون استخدام العبيد للعمل بالسخرة يشكلون منافسة غير عادلة على الوظائف مع الأحرار، السياسيون يريدون تحريرهم لزيادة التمثيل السياسي في الإنتخابات والكونغرس. بالإضافة أيضاً لإزدهار الصناعة في أواخر القرن السابع عشر ودخول الآلات محل العديد من الأعمال البشرية الشاقة فلم تعد تلك الحاجة الملحة للعبيد كما كان في السابق. لكن أيضاً كان هنالك الكثير من الشماليين مؤيدين للعبودية، لكن في منتصف الحرب الأهلية في 22 سبتمبر 1862 ، أصدر ابراهام لنكولن اعلانه المبدئي الخاص بتحرير العبيد والذي اعلن فيه أنه اعتبارًا من 1 يناير 1863 سيكون جميع العبيد في الولايات المتمردة ضد الاتحاد "أحرارً من الآن وللأبد).
‏كان غرض لينكولن حسب قراءات تاريخية عديدة إضعاف جبهة الجنوبيين فبذلك الإعلان سيتمرد العبيد على سادتهم وينضمون في الحرب لمناصرة الشماليين وبذلك سيضعف الجنوبيون صناعياً، زراعياً وتجارياً. وانقلب عنوان الحرب من ضم الولايات الجنوبية للإتحاد إلى "تحرير العبيد". وافق السياسيون لينكولن على تلك الخطوة بالرغم من عدم يقينهم بنجاحها لكنها نجحت، والتسويق الإعلامي الإنساني لها فلاقت إقبالاً ممن يريدون الخلاص من العبيد (إذا أنه قد حدثت ثورات للعبيد في دول أخرى في وقت سابق وحصلوا على حريتهم بها) وتم ضم الولايات الجنوبية الكونفدرالية للولايات المتحدة مرة أخرى. بعد تحرير العبيد بتلك الطريقة لم يحصلواعلى رعاية إجتماعية تأهيلية تساعدهم لبدء حياة جديدة ولا حقوق مدنية مساوية للبيض من تصويت وحق وظيفي وعدم تفرقة في النقل الجماعي والأماكن العامة إلا بعد قرن وثلاث سنوات من تلك الحادثة بعد مظاهرات ومطالبات عديدة نتيجة جرائم عنصرية وظلم اجتماعي بليغ وكان اسم التحرك
‏ Civil rights movement

والذي أقر بعده العديد من القوانين لنبذ العنصرية وتجريمها واعطائهم حقوقاً مدنية مساوية لنظرائهم البيض بموجبها. فهم لم يحصلوا على حقوقهم من وقفة إنسانية حقوقية لأبيض.
عاش الكثير من السود بعد تحررهم حياة اجتماعية معدمة بأوضاع اقتصادية سيئة جعلت الفقر حليف كثير منهم وأثرت في حياتهم وحياة أبنائهم ووصموا بالفقر والإجرام وامتد ذلك ولو جزئياً لأجيال ليومنا هذا. كان تحريراً بدون خطة دعم اجتماعية واقتصادية فعوملوا كفئة أدنى.






وقد سبق تحرير العبيد في امريكا ثورات العبيد في أوروبا وهايتي هي الأشهر فقد تمرد العبيد على أوضاعهم واشتبكوا مع ساداتهم فدمر جزء من ممتلكات السادة ومزارعهم مما اضطر الملاك لتحريرهم لإيقاف تلك الحروب والدمار. فالتغير ليس كما تصوره الأفلام أو بعض الكتب نشئ نتيجة إحساس أخلاقي من رجل أبيض عزم على على تغيير واقع السود من باب الشهامة فألقى خطاباً أخلاقياً وتغيرت الأوضاع بل هو أكثر تعقيداً وبدأ برغبة فعلية من الطبقة المستضعفة لتغيير أحوالهم. جاء من بعد ذلك سن القوانين التي تمنع الإستعباد وتحضر استيراد العبيد من الخارج وغيرها.
الهدف من الموضوع ليس فقط لنزع هالة التقديس عن أشخاص قدسوا كأصحاب المبادرة لمسألة تحرير العبيد ولكن لتصحيح طريقة التفكير السطحي والذي يبنى على أساسه أفكار معوجة لا تمت للواقع الإنساني بصلة. فالترويج بأن التغيير حدث بسهولة ونتيجة وقفة للجانب المتسيد الغير متضرر وأن ذلك الموقف الشهم هو الذي غير التاريخ يترك في العقل آثاراً من اللامنطق لحدوث الأشياء ومسبباتها وموقف سلبي تجاه أحداث الحياة المستقبلية وتوقع اللاممكن بأن يأتي أحد ويغير واقعه بدون سعيه للمطالبة بحقه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فلتر الماء لدش الاستحمام

تكلفة تركيب الألواح الشمسية لإنتاج الطاقة بدلاً من الكهرباء العادية

مراسيم الموت والدفن والحداد عند اليهود